رضوان جخا : لابد من مأسسة حوار وطني شامل لتأسيس رؤية تنموية شبابية جديدة مع تفعيل الـمجلس الإستشاري للشباب كحل ناجع

إنّ الأوضاع الاستثنائية التي شَهِدَتها المملكة المغربية أَفْرَزَت مؤشرات حميدة وأخرى غير مرغوب فيها ومرفوضة رفضا قاطعا ، بخصوص المؤشرات الإيجابية التي عبر عنها الشباب المُحتج فهي التي كانت خلال اليوم الأول وخلال يوم أمس عبر التظاهر السلمي المكفول دستوريا وهو أمر محمود والمملكة المغربية دائما ما تُجسّد هذا المبدأ الدستوري ، كما أنّ مِن المؤشرات الإيجابية التي أثارت انتباهي كناشط شبابي هي الوعي السياسي الكبير لدى الشباب عبر المطالبة بالحقوق المدنية والسياسية المشروعة والمنطقية على غرار المطالب الإجتماعية من تحسين مستوى القطاع الصحي والتعليمي وتوفير فرص للشغل والتكوين المستمر المرتبط بمستجدات السوق الدولية ،وكلها مطالب اجتماعية مشروعة ، لكن لا يجب أنْ نَغْفل أن كل ذلك يجب أن يتم باحترام الضوابط القانونية المتعارف عليها وطنيا ودوليا ،أكيد كلٌنا مع حرية التعبير المكفولة دستوريا ، كما أنّ رسائل الشباب وتطلعاتهم المشروعة والمنطقية وصلت لكافة المؤسسات مايستوجب حاليا ضٓبط النفس والتعقل في هذه المرحلة الدقيقة وقد أبان العديد من الشباب في مختلف المدن عن وعي واحترام في مسيرات سلمية ، لكن في مقابل ذلك ظَهرت للأسف الشديد أمور مرفوضة رفضا قاطعا اتضح بأن أغلب من قاموا بها تقريبا %70 منهم أطفال قاصرون ،وهنا نُساءل عن الدّور الرقابي لأسر أولئك الأطفال ، كما ظهرت ممارسات غريبة لبعض الشباب من محاولة اقتحام مؤسسات أمنية أو تخريب لممتلكات ومؤسسات عمومية ما وجب معه التصدي بِحزم مع كل من سَوّلَت له نفسه المساس باستقرار المملكة المغربية أو الإضرار بمؤسساتها.
لقد أفرزَ هذا الوضع تعزيز المؤشرات المقلقة التي تطرق لها المجلس الإقتصادي والإجتماعي والبيئي في ثلاث تقارير خلال الخمس السنوات الأخيرة يتعلق الأمر بوجود فئة كبيرة من الشباب Neet الذين لا يتابعون دراستهم وبدون عمل ولا تكوين حيث يُقدّرون بحوالي مليون ونصف شباب مابين 15 و24 سنة، دون نسيان نسب الهدر المدرسي التي مازالت مرتفعة بالرغم من المجهودات المبذولة حيث بلغت خلال الموسم الدراسي قبل الماضي حَوالي 294 ألف تلميذ منقطع عن الدراسة ، كما لا ننسى أن الفئة العمرية من مواليد سنتي 1997 و2012 تُمثّل حوالي %26 من مجموع نسمة المغرب ،بمعنى حوالي 9.6 مليون شاب ، لذلك أعتقد بأن هذه الفئة العمرية تتحمل الحكومات المتعاقبة خلال الخمسة عشر سنة الماضية مسؤولياتها في إيجاد حلول ناجعة لهؤلاء الشباب ولتطلعاتهم المشروعة ، ها نحن نلاحظ بأن أغلب أولئك الشباب المتظاهرين من تلك الشريحة العمرية ما يستدعي وضع استراتيجية عاجلة تعطي إجابات شافية وإجراءات مستعجلة لهذه الشريحة العمرية قصد إدماجها الإقتصادي داخل سوق الشغل وما يتطلب ذلك من تعزيز مسارات التكوين المهني والفرصة الثانية للتمدرس لمواصلة المجهودات لكبح جماح الهدر المدرسي.
إنّ هذا الوضع من وجهة نظري هو نتيجة لِتَراكمات امتدت لسنوات نتجت عن ضعف المقاربات الحكومية بالرغم من المجهودات المبذولة والذي تتحمله مختلف التيارات السياسية التي عمرت خلال الولايات الحكومية السابقة ، ما يُعجّل بتدخلات حكومية كل من مَوْقعه الوزاري لتقديم إشارات إيجابية وأجوبة تُقنع الشباب ، من خلال تبني مقاربات حكومية جديدة أساسها الإنصات الدائم والتٌفاعل المستمر وليس المَوسمي مَعَ طموحات الشباب في شتّى المجالات ، إذْ اتّضَح تأثير ضعيف للفاعلين السياسيين للعب دور الوساطة ،لِيظلّ السؤال الجوهري الذي يطرحه الشباب دائما : أين دور الأحزاب السياسية مما يقع !! لماذا لا نجد مبادرات تواصلية من هذا النوع مع شريحة الشباب إلا في وقت الأزمات ،لذلك أعتقد بأنّه حان الوقت ونَضَجت الظروف لِإحداث تغيير جذري لِهياكل جميع الأحزاب السياسية التي عمرت قيادتها لسنوات طويلة من أجل فسح المجال أمام الطاقات الشبابية،كما أفرز هذا الوضع عن ضعف كبير للشبيبات الحزبية والمنظمات الموازية للأحزاب السياسية في تدبير هذه المرحلة ،وهذه كانت من رسائل الشباب المُتظاهر ،ما يعني كما قلت بأن الأحزاب السياسية في حاجة ماسّة لإعادة هيكلتها بشكل جذري تسمح بإنخراط مُكّثف للشباب داخل الهيئات السياسية لتقليص الهوة الصّارخة بين الشباب والمُؤسسات الحزبية وعودة الثقة بَينَهما، كما يجب علينا نحن الشباب كذلك تقديم نقذ ذاتي لأنفسنا مع هذا العزوف الكبير للشباب لدخول غمار السياسة فهو أمر ضروري ومُستَعجل سواء عبر التسجيل باللوائح الإنتخابية أو عبر تمثيليات نوعية ومكثفة للشباب في المشهد السياسي سواء حكوميا أو برلمانيا أو داخل مجالس الجهات والجماعات الترابية ، لكن كما قلت سابقا أعتقد بأن الكرة أولا عند الأحزاب السياسية وقياداتها التي عمّرَت لسنوات لإعطاء إشارات إيجابية تُحَفّز الشباب على الإنخراط السياسي وفق مقاربات جديدة من طرف الأحزاب السياسية لتجاوز هذا العزوف المقلق للشباب ،حيث لا تتجاوز المشاركة نسبة %2.5 ، بل حتى داخل مؤسسات المجتمع المدني لا تتجاوز %17 ، وهي أرقام لا ترقى لمستوى التطلعات ،لها عوامل ذاتية مرتبطة بالشباب أنفسهم ، وهناك أسباب موضوعية بالأساس مرتبطة بغياب أرضية للتّحفيز .
أمّا بِخُصوص الحلول المُستعجلة فأعتقد من وجهة نظري المتواضعة بأنّ الحكومة مطالبة بإعطاء إشارات قوية لتفاعلها مع الشباب من خلال ثلاث زوايا ; أولا عبر مشروع قانون المالية لسنة 2026، إذْ يجب أن يتضمن إجراءات ملموسة تلامس مباشرة طموحات وتطلعات الشباب ،وثانيا عبر فتح حوار وطني أتمنى أن تشرف عليه وزارة الداخلية نظرا لِشَساعة الهوة بين الشباب والمشاركة داخل الأحزاب أما المشاركة السياسية فقد أبان هؤلاء الشباب عن مشاركة مؤثرة وإيجابية ، مبادرة هذا الحوار الوطني يكون مبنيا ونتيجة لِحِوارات شبابية إقليمية وجهوية ينبثق من خلال ميثاق استراتيجي للشباب والتنمية المستدامة الشمولية يأخذ بعين الإعتبار خصوصيات كل جهة وكل إقليم ،ويكون امتدادا لِبرنامج التأهيل الترابي الشامل الذي دعا إليه جلالة الملك محمد السادس حفظه الله خلال خطاب العرش لهذه السنة، ثالثا يجب على الأحزاب السياسية برمتها أن تعطي إشارات إيجابية واضحة للشباب من أجل الإنخراط في العمل السياسي ،وذلك لن يتأتى كما قلت إلا بإعادة هيكلة الأحزاب السياسية وتغيير مقارباتها الكلاسيكية .
هذه الأحداث أبانَت كذلك عن بروز قُصور في التنشئة الإجتماعية ، حيث أكدت الإحصائيات عن أزيد من 70% من المتظاهرين الموقوفين في أحداث العنف هم قاصِرين ،وهنا نُساءل عن دور الأسرة والمدرسة من الناحية السوسيولوجية،خصوصا المرتبطة بِسوسيولوجيا العنف، وهذا مرتبط بالباحثين الأكاديميين خصوصا السوسيولوجيين والمُتَخصصين في علم النفس_الإجتماعي لتقديم دراسات دقيقة لهذه الظاهرة ،مسبباتها ومؤشرات تجاوزها.
ختاما إن هذا زمن الشباب للقِدم سوِيا بقيادة جلالة الملك محمد السادس حفظه الله قائد الدولة _الأمة الذي يولي عناية جوهرية للشباب لمواصلة الأوراش الملكية الإستراتيجية ، فالشباب كلهم أبانوا عن حس وطني وتشبتهم بثوابت الأمة المغربية وملكها الحكيم حفظه الله ، لذلك فنحن أمام محطة دقيقة تحتاج منا جميعا العمل والإجتهاد كل من موقعه ،فجلالة الملك يبذل الغالي والنٌفيس لجعل بلده المغرب ضمن الدول الصاعدة صناعيا وإقتصاديا ، فلْنعمل جميعا يدا بيد بقيادة ملكنا الحكيم لنوصل بلدنا للقمة ونحافظ على نعمة الإستقرار الذي تمتاز به المملكة المغربية ، مع العمل كلّ من موقعه وِفق ميكانيزمات الكفاءة والتخصص ،فالمملكة المغربية كبيرة وستظل كبيرة بحول الله ،فلا خوف على استقرار المملكة المغربية لأن الضامن على استقرارها هو جلالة الملك محمد السادس حفظه الله الذي يحظى بإجماع وحُب جميع المغاربة بما فيهم الشباب الذي عبر عن تطلعاته وطموحاته .
كما آمل كشاب التعجيل بإحداث المجلس الإستشاري للشباب والعمل الجمعوي كمؤسسة دستورية منصوص عليها في الفصول 33،170,171 ،هذه المؤسسة الدستورية مهمة جدا لتعزيز مشاركة الشباب المؤسساتي ،وهي رسالة قوية من الشباب للأحزاب السياسية بأن تراجع أوراقها وتقوم برجّة كبيرة بخصوص طريقة اشتغالها ،وأن لا تنتظر حتى تظهر التحديات ثم تبدأ بالتفكير في الحلول ،بل لابد من ابتكار مقاربات استباقية واستشرافية في آن واحد ،هنا تظهر لمسة الإبداع السياسي_ الإستراتيجي ، إننا اليوم أمام شباب يُشكّل قوة كمية ونوعية أَبانَ عن ممارسات سياسية جميلة وجب التقاطها ،لأن هدفنا جميعا هو تنمية هذا الوطن الغالي بقيادة قائِدنا الحكيم جلالة الملك محمد السادس حفظه الله.



