ورزازات بين منطق المعقل الانتخابي ومتطلبات التنمية

الأستاذ هشام اوجامع محام بهيئة الدارالبيضاء
لطالما وُصفت ورزازات في القواميس السياسية لبعض الأحزاب بأنها “خزان انتخابي مضمون” أو “معقل تاريخي” لهذا الحزب أو ذاك، إلى درجة أن هذه الأحزاب كانت تدخل كل استحقاق انتخابي وهي مطمئنة سلفا إلى النتائج، وكأن أصوات أبناء الإقليم أصبحت مضمونة بشكل تلقائي.
لكن، وبالنظر إلى الواقع الميداني الذي يعيشه الإقليم، يبدو أن هذا الوصف لم يعد مجرد توصيف سياسي، بل تحول في نظر كثيرين إلى نوع من الاستعلاء السياسي الذي لا ينسجم مع حجم الانتظارات، ولا مع مرارة الخيبات التي تراكمت في نفوس الساكنة عبر سنوات طويلة.
واليوم، ونحن على مشارف محطة سياسية حاسمة سنة 2026، يطرح السؤال نفسه بإلحاح: هل سيواصل أبناء ورزازات تجديد الثقة في نفس الأحزاب التقليدية ونفس النخب التي اتسمت فتراتها بالجمود وضعف الترافع، أم أن لحظة كسر هذه القاعدة قد حانت عبر منح الفرصة لوجوه جديدة وكفاءات قادرة على الدفاع الشرس عن مصالح المنطقة والخروج من دائرة المتفرج؟
لقد اعتادت بعض الأحزاب السياسية التعامل مع ورزازات باعتبارها خزانا انتخابيا مضمونا أو معقلا انتخابيا تاريخيا، إلى درجة أن نتائج بعض الدوائر كانت تبدو محسومة قبل انطلاق الحملة الانتخابية نفسها. ومع مرور الوقت تحول هذا الوفاء إلى ما يشبه “الشيك على بياض”، وأصبحت بعض الأحزاب مطمئنة إلى استمرار حضورها السياسي أكثر من انشغالها بحجم حصيلتها أو بمدى رضا الساكنة عن أدائها.
فالانتخابات لم تعد بالنسبة للبعض معركة برامج ومشاريع، بل مجرد عملية تعبئة انتخابية تعتمد على شبكات النفوذ والعلاقات التقليدية أكثر مما تعتمد على الإقناع السياسي أو الحصيلة الفعلية. كما أن هيمنة منطق الخزان الانتخابي أفرزت سلوكا سياسيا آخر لا يقل خطورة، يتمثل في الترحال السياسي وفقدان الانتماء الحزبي لمعناه الحقيقي.
فلم يعد مستغربا أن يترشح شخص باسم حزب معين في ولاية انتخابية، ثم يظهر في الولاية الموالية تحت لون سياسي مختلف تماما. فالحزب لا يهمه في كثير من الأحيان سوى المرشح القادر على جلب الأصوات وضمان المقعد، والمرشح لا يهمه سوى الحزب الذي يوفر له أفضل فرصة للفوز.
وهكذا أصبحت بعض الأحزاب تبحث عن “المرشح الذي يفوز”، وأصبح بعض المرشحين يبحثون عن “الحزب الذي يحملهم إلى الفوز”، بينما غابت البرامج والرؤى والمشاريع المجتمعية. وكانت النتيجة تراجع ثقة المواطن في العمل السياسي وفي قدرة المؤسسات المنتخبة على إحداث التغيير المطلوب.
ولعل ما ساعد على ترسيخ هذا الواقع واستمراره لعقود هو تداخل مجموعة من العوامل الاجتماعية والديمغرافية، في مقدمتها انتشار الأمية والهشاشة بعدد من المناطق القروية، إلى جانب هجرة أعداد مهمة من الشباب نحو المدن الكبرى أو خارج الوطن بحثا عن الدراسة أو فرص الشغل. وقد أفرز هذا الوضع فراغا على مستوى تجديد النخب والفاعلين المحليين، وخلق بيئة انتخابية ظلت فيها الاعتبارات الشخصية والعائلية وشبكات النفوذ التقليدية أكثر حضورا من النقاش المرتبط بالبرامج والحصيلة والقدرة على الإنجاز.
وفي ظل هذه المعطيات، لم تجد بعض الأحزاب نفسها مضطرة إلى مراجعة أساليب اشتغالها أو تجديد خطابها السياسي، بل استمرت في استثمار واقع انتخابي مريح يضمن لها حضورا متواصلا داخل المؤسسات المنتخبة. وهكذا تحولت الانتخابات في بعض الأحيان من مناسبة للتنافس حول المشاريع والرؤى إلى مجرد آلية لإعادة إنتاج نفس الوجوه ونفس التوازنات، وهو ما ساهم في إضعاف دينامية التغيير وربط المسؤولية بالمحاسبة.
ولم يكن هذا التحول بدون ثمن. فعندما تصبح الحسابات الانتخابية مقدمة على مصالح الإقليم، وعندما يتحول الحفاظ على التوازنات الحزبية إلى أولوية تتقدم على الترافع الترابي، تكون النتيجة فقدان المنطقة لمواقع ومكتسبات استراتيجية كان يفترض الدفاع عنها بكل قوة.
ولعل ملف عاصمة الجهة يظل المثال الأبرز على ذلك. فمهما اختلفت القراءات السياسية لذلك القرار تبقى النتيجة واحدة فقدت ورزازات مركز القرار الجهوي سنة 2015 ، وفقدت معه جزءا مهما من ثقلها المؤسساتي والإداري. وكان ذلك امتحانا حقيقيا للنخب السياسية التي كانت تمثل الإقليم آنذاك.
لقد انتظر المواطنون معركة سياسية حقيقية للدفاع عن مكانة ورزازات التاريخية والجغرافية، لكن ما بقي في الذاكرة الجماعية هو شعور عميق بأن حجم الترافع لم يكن في مستوى الرهان. بل إن كثيرا من أبناء المنطقة ما زالوا يعتبرون أن بعض الأحزاب، وعلى رأسها حزب العدالة والتنمية خلال تلك المرحلة، فضلت حسابات سياسية وانتخابية مرتبطة بتوازناتها داخل الجهة على الدفاع القوي عن موقع ورزازات، خصوصا في ظل النفوذ الذي كانت تتمتع به بالرشيدية.
وقد خلف ذلك شعورا عميقا بالخذلان لدى جزء واسع من الساكنة، التي كانت تنتظر من ممثليها الدفاع المستميت عن موقع الإقليم، لا الصمت أو الاكتفاء بمواقف باهتة في لحظة مفصلية ستؤثر لاحقا على مسار التنمية والاستثمار والإدارة الترابية
وإذا كان فقدان عاصمة الجهة يمثل رمزا لمرحلة كاملة، فإن واقع الإقليم اليوم يكشف حجم الاختلالات التي تراكمت خلال السنوات الماضية بفعل ضعف الترافع من طرف من منحتهم ساكنة الاقليم اصواتها .
ففي قطاع الصحة، ما زال عدد كبير من المرضى يجد نفسه مضطرا للتوجه نحو مراكش من أجل الاستفادة من خدمات علاجية متخصصة. وتحول معه مستشفى سيدي احساين إلى محطة عبور أكثر منه مؤسسة قادرة على الاستجابة لكل حاجيات الإقليم الصحية.
وفي التعليم العالي، ما زال الطلبة يغادرون ورزازات نحو مراكش وأكادير ومدن أخرى بسبب غياب عرض جامعي متكامل يواكب طموحات شباب المنطقة.
أما في مجال الاستثمار والتشغيل، فإن الحصيلة تبقى دون مستوى الإمكانيات الهائلة التي تتوفر عليها المنطقة، سواء في القطاع السياحي أو الفلاحي أو المعدني أو الطاقي. بل إن ورزازات عاشت لسنوات طويلة حالة من الركود التنموي، انعكست على عدد من القطاعات الحيوية.
فالقطاع السياحي، الذي كان يشكل إحدى ركائز الاقتصاد المحلي، عرف تراجعا ملحوظا تجسد في إغلاق عدد من الوحدات الفندقية وتراجع الجاذبية السياحية للإقليم. كما تضرر الربط الجوي الذي لم يحظ بالدعم الكافي لضمان دينامية اقتصادية مستدامة. أما القطاع السينمائي، الذي منح ورزازات لقب “هوليود إفريقيا”، فقد عرف بدوره تراجعا في وتيرة الإنتاجات، في وقت لم تتمكن النخب السياسية من الترافع بالشكل الكافي من أجل تثبيت المشاريع المهيكلة المرتبطة بهذه الصناعة الاستراتيجية.
كما أن عددا من المشاريع البنيوية المرتبطة بالإقليم عرفت بطئا أو تعثرا، سواء تعلق الأمر ببعض المشاريع الطرقية أو بمشاريع مبرمجة في إطار برنامج تقليص الفوارق المجالية. وهو ما زاد من الإحساس بأن ورزازات، رغم احتضانها لمشاريع وطنية كبرى من قبيل مركب نور للطاقة الشمسية، لم تستفد بالقدر الكافي من موقعها ومؤهلاتها داخل السياسات التنموية الجهوية.
ولسنوات طويلة ظل الإقليم يدفع ثمن اختيارات ترابية وسياسية أضعفت موقعه داخل جهة درعة تافيلالت، خصوصا بعد فقدانه لمركز الجهة، وما ترتب عن ذلك من تركيز جزء مهم من الاستثمارات والمؤسسات الجهوية بمركز الجهة على حساب باقي الأقاليم. ولم تبدأ بعض الملفات في التحرك خلال السنوات الأخيرة إلا بفضل الدينامية التي خلقتها السلطات المحلية ومجهوداتها في تتبع الأوراش التنموية وتسريع عدد من المشاريع المتعثرة.
كما أن البلوكاج الذي عرفه مجلس الجهة بالراشدية و الدي تسبب فيه سياسي الجنوب الشرقي تسبب في تأخير مهول للتنمية وعرقلة في تنفيذ عدد من مشاريع برنامج تقليص الفوارق المجالية وكشف بدوره محدودية أداء النخب السياسية، التي نجحت في خلق العراقيل وفشلت في التحول إلى قوة ضغط حقيقية قادرة على فرض أولويات الإقليم داخل المؤسسات الجهوية والوطنية.
ولعل ملف ديناصور تزوضى يشكل بدوره نموذجا صارخا من اهمال المنتخبين بالإقليم. فمنذ اكتشاف هذا الكنز الجيولوجي سنة 1998 بمنطقة إمي نولاون، تشكل أمل كبير في أن يتحول إلى رافعة للسياحة العلمية والثقافية وخلق فرص الشغل بالعالم القروي. ورغم تشييد بناية المتحف منذ سنوات طويلة، ظل المشروع حبيس التأجيل والتسويف، ولم يتمكن من تحقيق الأثر الاقتصادي والاجتماعي الذي كان منتظرا منه.
إن قصة ديناصور تزوضى تختزل في الواقع جزءا من أزمة التنمية بورزازات: مؤهلات موجودة، ومشاريع تنطلق على الورق، لكن غياب الحكامة والتتبع والترافع يجعلها عاجزة عن التحول إلى قيمة مضافة حقيقية لفائدة الساكنة. ولو وجدت نخب قوية قادرة على المتابعة والضغط والتنسيق بين مختلف المتدخلين، لكان هذا المشروع اليوم وجهة علمية وسياحية وطنية ودولية تساهم في تنمية المنطقة وخلق فرص الشغل لأبنائها.
لكن الإشكال لا يتعلق فقط بالمشاريع الكبرى. فحتى الملفات المرتبطة بالحياة اليومية للمواطنين ظلت خارج دائرة الاهتمام الحقيقي.
فكيف يعقل أن يظل النقل العمومي داخل الإقليم يعتمد بشكل شبه كلي على سيارات الأجرة، بينما نجحت مدن أخرى في إحداث شبكات حافلات تربط المدن بالجماعات والمراكز القروية المجاورة؟ في اطار تفعيل المقتضيات القانونية المتعلقة بمؤسسات التعاون بين الجماعات .
ولماذا لم تستطع المجالس المنتخبة التفكير في نموذج مماثل لما هو معمول به في مراكش، يربط ورزازات بجماعاتها ومراكزها الحيوية ويخفف معاناة المواطنين اليومية؟
وكيف يعقل أن تستمر معاناة عدد من الأرامل والمطلقات والنساء في وضعية هشاشة مع مساطر الدعم والحماية الاجتماعية دون مواكبة ميدانية حقيقية من طرف المنتخبين تمكنهن من الاستفادة الكاملة من حقوقهن؟ ولمادا تترك هؤلاء النساء في اصطدام دائم مع أعوان السلطة والقياد في غياب تام لاي ترافع محلي او وطني علما ان المنطقة تعرف نسبة كبيرة من النساء تم تسجيلهن في برامج الدعم و الحماية وتم التشطيب عليهم لاحقا .
وكيف يعقل أن تبقى أراضي الجموع، التي تمثل ثروة عقارية هائلة، رهينة التعقيدات والنزاعات، بدل أن تتحول إلى رافعة للاستثمار الفلاحي وخلق فرص الشغل والاستقرار بالعالم القروي؟
وكيف يعقل أن تستمر القصبات التاريخية في التدهور والإهمال، رغم أنها تمثل جزءا من هوية المنطقة وذاكرتها الجماعية وثروة سياحية عالمية؟ فورزازات تتوفر على مئات القصبات في مختلف المناطق و الدواوير ولا توجد بها فقط قصبة تاوريرت وايت بنحدو .
أما العالم القروي، فلا يزال ينتظر نصيبه الحقيقي من التنمية.
فالكثير من المراكز الجماعية بالإقليم ما زالت تفتقر إلى الحد الأدنى من شروط الجاذبية الاقتصادية والعمرانية. والمطلوب اليوم ليس فقط تزفيت بعض الطرق أو بناء بعض المرافق، بل إطلاق رؤية متكاملة لتأهيل هذه المراكز وتحويلها إلى أقطاب محلية حقيقية.
فالساكنة تحتاج إلى مراكز جماعية مجهزة تتوفر على التبليط والتزفيت والإنارة العمومية والتطهير السائل والمساحات العمومية والخدمات الأساسية والمراكز الصحية.
كما تحتاج إلى تشجيع الاستثمار الخاص من أجل استقطاب الوكالات البنكية والشبابيك الأوتوماتيكية ومحطات الوقود والمطاعم والمقاهي والفنادق الصغيرة والخدمات التجارية التي تجعل هذه المراكز فضاءات حقيقية للحياة الاقتصادية والاجتماعية.
أما الشباب، فهم بدورهم من أكبر ضحايا ضعف الرؤية التنموية.
فالعشرات من الجمعيات الرياضية والثقافية والتنموية تشتغل بإمكانيات محدودة رغم الدور الكبير الذي تقوم به في التأطير ومحاربة الهدر والانحراف.
وكان من المفروض أن يكون هناك برنامج حقيقي لإنشاء دور للشباب بالعالم القروي، ودعم الجمعيات الجادة، وإحداث ملاعب معشوشبة ومجهزة بالجماعات ، إلى جانب تعميم ملاعب القرب داخل الدواوير، لأن الاستثمار في الشباب هو استثمار في مستقبل الإقليم.
ورغم كل هذه الاختلالات، وضعف الترافع عنها ورغم تسجيل عدم اقتراب المنتخبين منها فإن السنوات المقبلة تحمل فرصا تاريخية قد لا تتكرر.
فالفرصة الأولى تتمثل في الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية، المعلن عنها مؤخرا وهي فرصة لتجاوز أعطاب الماضي وضمان عدالة مجالية أكبر. غير أن نجاح هذه البرامج يحتاج إلى نخب سياسية قوية قادرة على المواكبة والتتبع والترافع حتى لا يتكرر ما وقع مع برامج سابقة عرفت التعثر أو التأخر مثل برنامج محاربة الفوراق المجالية .
غير أن التحدي لا يكمن فقط في توفير الموارد المالية أو إطلاق البرامج، بل في طبيعة النخب التي ستتولى مواكبة تنزيلها. فالجيل الجديد من برامج التنمية الترابية لا يشبه البرامج السابقة، لأنه يقوم على التشخيص الدقيق للحاجيات المحلية، والتخطيط الاستراتيجي، والتتبع والتقييم وربط المسؤولية بالمحاسبة، ويعبئ اعتمادات مالية ضخمة وآليات حكامة متعددة المستويات.
وهنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح: هل تتوفر النخب التي اعتادت تمثيل الإقليم خلال العقود الماضية على الكفاءة والقدرة اللازمتين لمواكبة هذه التحولات؟
فلم يعد المنتخب اليوم مجرد شخص يحضر دورات المجلس أو يتوسط في بعض الملفات الإدارية، بل أصبح مطالبا بالتفاعل مع معطيات تقنية ومالية وقانونية معقدة، وبالقدرة على الترافع والتفاوض وصياغة الأولويات التنموية ومتابعة تنفيذها. وهي مهام تفرض مستوى جديدا من الكفاءة والتأهيل لا يمكن الاستهانة به.
ومن هنا تكتسي انتخابات 2026 وما بعدها أهمية خاصة، لأنها لن تحسم فقط في أسماء المنتخبين، بل ستحدد أيضا طبيعة النخب التي ستواكب واحدا من أكبر الأوراش الترابية التي أطلقتها الدولة خلال السنوات الأخيرة. ولذلك فإن معيار الكفاءة يجب أن يصبح معيارا أساسيا في اختيار المرشحين، إلى جانب النزاهة والقرب من المواطنين، لأن التنمية لا تصنع بالشعارات، بل بكفاءات قادرة على تحويل الطموحات إلى مشاريع والبرامج إلى إنجازات ملموسة.
أما الفرصة الثانية، وربما الأهم بالنسبة لمستقبل الجنوب الشرقي، فيبقى مشروع نفق أوريكا ـ تيشكا.
هذا المشروع لم يعد في حاجة إلى مزيد من الدراسات بقدر ما هو في حاجة إلى إرادة سياسية قوية. فمنذ سنوات طويلة، يتكرر نفس المشهد داخل قبة البرلمان: سؤال من نائب برلماني، وجواب من وزير التجهيز يتحدث عن الدراسات التقنية أو الدراسات التكميلية أو الدراسات النهائية، ثم ينتهي النقاش إلى حين دورة برلمانية أخرى.
لقد سمع أبناء المنطقة ما يكفي من الحديث عن الدراسات. وما ينتظرونه اليوم ليس دراسة جديدة، بل أول جرافة تعلن انطلاق الأشغال.
فليس من المقبول أن يظل مشروع استراتيجي بهذا الحجم يتنقل من ولاية تشريعية إلى أخرى ومن حكومة إلى أخرى دون أن يغادر رفوف الإدارة، بينما تتسارع وتيرة إنجاز مشاريع كبرى في مختلف جهات المملكة.
ولهذا فإن التحدي الحقيقي أمام النخب السياسية التي ستفرزها انتخابات 2026 لن يكون المطالبة بالنفق، بل فرض إخراجه إلى حيز التنفيذ خلال الولاية المقبلة وجعله أولوية وطنية غير قابلة للتأجيل.
كما أن الرؤية يجب ألا تتوقف عند حفر النفق فقط، بل أن تمتد إلى جعله نواة لمحور تنموي متكامل يربط الجنوب الشرقي بباقي جهات المملكة، عبر طريق سيار أو على الأقل طريق سريع حديث، وعبر الترافع منذ الآن من أجل إدماج خط سككي مستقبلي يواكب هذا الورش الاستراتيجي.
فالمشكل الحقيقي الذي تعاني منه المنطقة ليس غياب المؤهلات، بل ضعف الربط والبنيات التحتية. وكل يوم يتأخر فيه هذا المشروع هو يوم تضيع فيه فرص جديدة للاستثمار والسياحة وخلق مناصب الشغل.
إن نجاح الولاية المقبلة لن يقاس بعدد الأسئلة الكتابية الموجهة لوزير التجهيز بل بمدى قدرة ممثلي المنطقة على تحويل نفق تيشكا من ملف يطرح كل سنة داخل البرلمان إلى ورش مفتوح على أرض الواقع.
وعندها فقط يمكن القول إن الجنوب الشرقي بدأ فعلا يطوي صفحة التهميش والعزلة التي لازمته لعقود طويلة.
أما الفرصة الثالثة فتتمثل في النقاش الدائر حول مشروع التقسيم الجهوي الجديد و الدي سيرى النور بعد صدور قانون الجهات المعدل وصدور مرسوم التقسيم الجهوي الجديد .
وإذا ما تم إلحاق ورزازات بجهة مراكش كما يروج اليوم ، فإن ذلك قد يفتح آفاقا جديدة للاستفادة من الدينامية الاقتصادية والسياحية والاستثمارية التي راكمتها هذه المدينة العالمية.
لكن هذه الفرصة لن تتحول إلى مكاسب حقيقية إذا استمرت نفس العقليات التي اعتادت الاكتفاء بالتصفيق للمشاريع بعد الإعلان عنها.
فمراكش لن تدافع عن مصالح ورزازات بالنيابة عن ممثليها، كما أن المشاريع والاستثمارات لا تنتقل تلقائيا من إقليم إلى آخر.
وحدها نخب قوية داخل البرلمان والمجلس الجهوي ومختلف مؤسسات القرار قادرة على تحويل هذا التحول إلى فرصة تنموية حقيقية.
إن الرهان الحقيقي في انتخابات 2026 لا يتعلق فقط بالأحزاب أو بالأشخاص، بل بقدرة أبناء ورزازات على إعادة الاعتبار لمنطق المحاسبة والتداول السياسي.
لقد آن الأوان لكي يدرك الجميع أن أصوات أبناء ورزازات ليست ملكا لأحد، وأن الثقة لا تمنح إلى الأبد، وأن المواطن مطالب اليوم بالتسجيل في اللوائح الانتخابية وممارسة حقه الدستوري في التصويت واختيار الكفاءات القادرة على الدفاع عن مصالح الإقليم.
فورزازات لا تحتاج اليوم إلى مزيد من الشعارات، بل إلى نخب قوية، وإلى وجوه جديدة، وإلى إرادة جماعية تضع حدا لمنطق الخزان الانتخابي والمعقل الانتخابي للأحزاب التقليدية ومرشحيها ، وتفتح صفحة عنوانها الترافع والإنجاز والمحاسبة.
وعندها فقط يمكن أن تتحول ورزازات من إقليم اعتاد انتظار ما تجود به البرامج الوطنية، إلى إقليم يفرض حضوره داخل معادلة التنمية الوطنية وينتزع مكانته المستحقة بفضل قوة ممثليه وحيوية مجتمعه ووعي ناخبيه.



