ناخبو الجنوب الشرقي الغائبون عن صناديق الاقتراع

كلما اقترب موعد الانتخابات، يطفو على السطح سؤال قديم ومتجدد يتعلق بمدى عدالة المنظومة الانتخابية في تمثيل جميع المواطنين. ويبرز هذا السؤال بشكل أكثر حدة في مناطق الجنوب الشرقي للمملكة، وكافة هوامش المغرب . حيث تفرض الظروف الاقتصادية والاجتماعية واقعا ديمغرافيا خاصا يجعل جزءا كبيرا من السكان بعيدا عن دوائرهم الانتخابية يوم الاقتراع.
ففي العديد من الجماعات والقرى بالجنوب الشرقي، لم تعد التركيبة السكانية تعكس حقيقة الجسم الانتخابي المسجل في اللوائح.
فالمقيمون بشكل دائم هم في الغالب النساء والشيوخ والأطفال، بينما اضطر أغلب الشباب والرجال في سن العمل إلى الهجرة نحو المدن الكبرى أو نحو الخارج بحثا عن فرص الشغل وتأمين لقمة العيش. إنها هجرة فرضتها الضرورة الاقتصادية أكثر مما فرضها الاختيار الشخصي.
ومع ذلك، فإن هؤلاء المهاجرين لم يغادروا مناطقهم وجدانيا أو اجتماعيا أو اقتصاديا. فما زالت بطائق تعريفهم الوطنية تحمل عناوين مساكنهم الأصلية، وما زالوا مسجلين في اللوائح الانتخابية لجماعاتهم ودوائرهم الانتخابية، ما لم تطلهم أيادي التشطيب. والأهم من ذلك أنهم يظلون مرتبطين بشكل يومي بأسرهم ومجتمعاتهم المحلية من خلال التحويلات المالية التي يرسلونها بانتظام إلى الآباء والأمهات والزوجات والأبناء والإخوة.
في الواقع، يمكن القول دون مبالغة إن المهاجرين من أبناء الجنوب الشرقي يشكلون المستثمر الأول في منطقتهم. فالأموال التي يرسلونها لا تقتصر على تغطية نفقات المعيشة، بل تساهم في بناء المساكن، وتمويل الدراسة، وتنشيط التجارة المحلية، وخلق فرص الشغل الموسمية، وتحريك عجلة الاقتصاد في مناطق تعاني أصلا من ضعف الاستثمارات العمومية والخاصة. ولذلك فإن التنمية المحلية في جزء مهم منها تعتمد على تضحيات هؤلاء الذين غادروا مضطرين ولم يقطعوا صلتهم بأرضهم.
غير أن المفارقة تكمن في أن هؤلاء المواطنين الذين يساهمون في تمويل اقتصاد مناطقهم يجدون أنفسهم يوم الانتخابات عاجزين عمليا عن ممارسة حقهم في التصويت. فمراكز الاقتراع توجد في جماعاتهم الأصلية، بينما أماكن عملهم وإقامتهم الفعلية توجد على بعد مئات أو آلاف الكيلومترات. ولا يستطيع الكثير منهم تحمل تكاليف السفر أو التغيب عن العمل من أجل ممارسة حقهم في التصويت يوم الاقتراع .
والنتيجة أن نسبة مهمة من الهيئة الناخبة الحقيقية للجنوب الشرقي تصبح غائبة عن صناديق الاقتراع، ليس بسبب اللامبالاة السياسية، بل بسبب إكراهات موضوعية تحول دون مشاركتها. وهنا يطرح السؤال الجوهري: هل يكفي أن يكون الحق في التصويت مضمونا نظريا إذا كانت ظروف ممارسته تجعل فئة واسعة من المواطنين عاجزة عن الاستفادة منه فعليا؟
ومن غير المنصف أن تتحول الهجرة التي فرضتها الحاجة إلى العمل إلى شكل من أشكال الإقصاء السياسي غير المعلن. فالمواطن الذي يغادر قريته ليشتغل في الدار البيضاء أو طنجة أو مراكش أو خارج الوطن لا يفقد انتماءه إلى جماعته الأصلية، ولا يفقد حقه في التأثير على مستقبلها واختيار ممثليها.
لقد أصبحت التطورات التقنية والإدارية التي يشهدها العالم تتيح إمكانيات متعددة لتجاوز هذا الإشكال. فهناك تجارب تعتمد التصويت في مكان الإقامة الفعلية، وأخرى تسمح بالتصويت بالمراسلة أو بوسائل إلكترونية مؤمنة. ، وإنما فتح نقاش وطني هادئ حول السبل الكفيلة بضمان مشاركة أوسع للمواطنين الذين فرضت عليهم ظروف الحياة الابتعاد عن مناطقهم الأصلية.
إن ما تحتاجه مناطق الجنوب الشرقي ليس فقط المزيد من المشاريع والاستثمارات، بل أيضا المزيد من الإنصاف السياسي والتمثيلية الديمقراطية الحقيقية. فلا يعقل أن يبقى مصير هذه المناطق رهينا بأصوات جزء فقط من سكانها ، بينما يتم استبعاد فئة واسعة تشارك يوميا في إعالتها وتنميتها وتمويل اقتصادها.
إن من حق أبناء الجنوب الشرقي الذين يحملون هموم منطقتهم أينما وجدوا، والذين يرسلون جزءا من عرقهم ورواتبهم إلى أسرهم كل شهر، أن يجدوا طريقا ميسرا إلى صندوق الاقتراع. فكما تظل أموالهم تصل إلى قراهم ومدنهم دون انقطاع، يجب أن يصل صوتهم أيضا إلى صناديق الانتخابات. لأن ممارسة حق التصويت باعتباره من حقوق المواطنة لا ينبغي ان يتوقف عند حدود الجغرافيا، ولأن الهجرة من أجل العيش الكريم لا ينبغي أن تتحول إلى حرمان من أحد أهم الحقوق الدستورية: الحق في المشاركة السياسية واختيار من يتولى تدبير الشأن العام.



