المنصوري… الشتاء قادم

تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة المغربية، في 29 شتنبر 2026، بقدر ما هو حدث سياسي فريد. باعتبارها أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة في تاريخ المغرب، بعد تصدر حزب الأصالة والمعاصرة الانتخابات التشريعية بحصوله على 97 مقعدا من أصل 395. بقدر ما تصطدم الرمزية التاريخية لهذا التعيين بحجم الملفات التي تنتظر الحكومة الجديدة؛ فالمغرب يدخل مرحلة سياسية واجتماعية دقيقة.
عنوان المقال Winter is Coming… مستوحاة من “أغنية الجليد والنار” ضمن سلسلة من الروايات الخيالية الملحمية للكاتب الأمريكي جورج ر. ر. مارتن، والتي نعتبرها استعارة سياسية تختزل فكرة الاختبار القادم. ففي عالم المسلسل، لا يحيل الشتاء إلى فصل من فصول السنة فحسب، بل إلى مرحلة استثنائية تتطلب الاستعداد والاعداد، والقدرة على تدبير المخاطر، ومواجهة تحولات قد تتجاوز قدرة الفاعلين على التحكم فيها. ومن هذا المنظور، ينسحب العنوان على المرحلة، وضغط الانتظارات الاجتماعية والاقتصادية للمغاربة، والتحولات الجيو-استراتيجية التي يعرفها المجتمع الدولي.
ويحمل وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة دلالة رمزية وسياسية مهمة بالنسبة إلى تمثيلية النساء في الحياة السياسية المغربية. والمنصوري تتولى هذا المنصب بعد مسار سياسي وتدبير محترم، لأنها ليست وافدة جديدة على دوائر القرار؛ غير أن موقع رئيسة الحكومة يضعها أمام مسؤوليات مختلفة، واختبارات متعددة، ولعل أولها هو تشكيل ائتلاف حكومي سياسي ومنسجم، وإدارة العلاقات بين مكوناته.
القضية الوطنية الأولى، وسبتة ومليلية
ستجد رئيسة الحكومة نفسها أمام ملف الصحراء، رغم طابعه السيادي، إلا أنه يشكل أحد أكثر الملفات حساسية في السياسة الخارجية المغربية. لما يشهده الملف من تطورات دبلوماسية مهمة خلال السنوات الأخيرة، فيما تبنت الدولة مقترح الحكم الذاتي باعتباره إطارا للحل، وما يفتحه من أفق سياسي، ينعكس على الجهوية المتقدمة.
وبالنسبة إلى حكومة المنصوري، مطالبة بالحفاظ على الخط الدبلوماسي الذي تبنته الدولة، ومواصلة تحويل الدعم الخارجي إلى دينامية تنموية داخل الأقاليم الجنوبية ومعها كافة الاقاليم، وإدارة العلاقة بين الدبلوماسية والتنمية والاستثمار.
وينضاف اختبار أخر هو التوتر الجديد القديم مع الجارة اسبانية، وما شكلها النزوح الجماعي من تداعيات على العلاقة القائمة بين البلدين. بالدفاع عن الاراضي المغربية، وحفظ كرامة النازحين، وضمان عيش كريم، مع تحويل منطقة الشمال بصفة عامة إلى ورش مفتوح للتنمية.
كأس العالم: فرصة للتنمية أم اختبار للعدالة الاجتماعية؟
تتردد كثيرا عبارة “حكومة المونديال” لأن المغرب يستعد، إلى جانب إسبانيا والبرتغال، لتنظيم البطولة، وقد ارتبطت الاستعدادات باستثمارات واسعة في الملاعب والطرق والمطارات والفنادق والنقل والاتصالات والتأهيل الترابي. وقد تحدث صندوق النقد الدولي عن برنامج استثماري في البنيات المرتبطة بالنقل والسياحة بقيمة تقارب 190.3 مليار درهم بين 2024 و2030، أي ما يعادل نحو 11.9 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي لسنة 2024.
الرؤية الرسمية تقدم كأس العالم باعتباره فرصة لتسريع التنمية وخلق فرص الشغل وتحسين البنية التحتية وجعل الاستثمارات تمتد إلى ما هو أبعد من المدن المستضيفة. كما أن إحداث “مؤسسة المغرب 2030” يعكس الرغبة في تنسيق الأوراش المرتبطة بهذا الاستحقاق.
لكن السؤال الاجتماعي الذي سيلاحق حكومة المنصوري سيكون بسيطا ومباشرا: ماذا سيصل من عوائد هذه المشاريع إلى المواطن العادي؟ فالمغربي يسر بسرعتين، ويعاني من البطالة أو من ضعف الخدمات الصحية والتعليمية، وقد ينظر إلى الجيل الجديد من الملاعب والطريق السريع والمطار المطور من زاوية مختلفة عن المستثمر أو السائح. وهذا لا يعني بالضرورة معارضة تنظيم كأس العالم، وإنما يضع أمام الحكومة سؤالا حول كيفية توزيع كلفة الاستثمار وعوائده اجتماعيا ومجاليا، حتى لا يسير المغرب بسرعتين، وبضبع مجهود الدولة في الاوراش الاستراتيجية.
الشباب… الجبهة الاجتماعية الأكثر إلحاحا
يمثل الشباب التحدي الاجتماعي والسياسي الأكثر حساسية. وتقول الارقام أن البطالة في صفوف الشباب وصلت مستويات مرتفعة؛ وتشير المعطيات المنشورة قبيل الانتخابات الأخيرة إلى نحو 37 في المائة بالنسبة إلى الفئة الشابة المعنية في الإحصاءات المتداولة. كما أن حركة “Gen Z 212” خلال 2025 عبرت بشكل واضح عن مطالب مرتبطة أساسا بالتعليم والصحة والتشغيل.
وتزيد الفوارق بين المركز والهامش، وبين المدن الكبرى والمجالات القروية، وبين حاملي الشهادات وغيرهم، من سخونة ملف التشغيل قضية تتجاوز الأرقام الاقتصادية إلى قضية اندماج اجتماعي ومجالي.
السفارة… حين تتقاطع السياسة الخارجية مع الرأي العام
الملف الآخر شديد الحساسية هو العلاقات المغربية الإسرائيلية. ففي 16 شتنبر 2026، أعلنت إسرائيل والمغرب وامريكا اتفاقا للارتقاء بالعلاقات الدبلوماسية إلى مستوى السفارات وتعيين سفراء، في خطوة جديدة ضمن مسار التطبيع الذي بدأ سنة 2020.
لكن هذا التطور الدبلوماسي لا يلغي وجود نقاش اجتماعي وسياسي واسع داخل المغرب حول العلاقة مع إسرائيل، خصوصا في ظل الحرب في غزة. وقد شهدت مدن مغربية، في شتنبر 2026، احتجاجات مؤيدة للفلسطينيين ومناهضة للتطبيع، وهو ما يعكس وجود فجوة بين المسار الرسمي للعلاقات الخارجية ومواقف قطاعات من الرأي العام. وهنا تواجه الحكومة الجديدة معادلة دقيقة: إدارة علاقات دولية تعتبرها الدولة جزء من مصالحها الاستراتيجية والاقتصادية والدبلوماسية، في مقابل مجتمع يحمل القضية الفلسطينية بوصفها قضية ذات حضور قوي في الوعي العام.
الماء… الاختبار الصامت أمام المنصوري
ربما يكون أصعب ما ينتظر السيدة فاطمة الزهراء المنصوري أنها لن تبدأ من أرض سياسية خالية. فهي ترث ملفات وبرامج ومشاريع والتزامات تمتد إلى سنوات قادمة، العديد من ملفات اجتماعية تراكمت قبل وصولها إلى رئاسة الحكومة.
لذلك فإن نجاح التجربة الجديدة لن يقاس فقط بعدد النساء اللواتي سيصلن إلى مواقع القرار، ولا بعدد المشاريع التي ستدشن، وإنما بمدى قدرة الحكومة على تحويل السياسات الكبرى إلى نتائج محسوسة في الحياة اليومية.
المغاربة ينتظرون المدرسة العمومية الجيدة، والمستشفى الذي يستطيع المواطن الوصول إليه، وفرصة الشغل، والنقل، والسكن، والماء، والعدالة المجالية، والإدارة التي تستجيب للمواطن. وينتظرون كذلك سياسة عمومية قادرة على حماية الفئات الهشة في لحظة تتزايد فيها كلفة المعيشة والمخاطر المرتبطة بالمناخ والندرة.
من بين الملفات التي قد لا تحظى بالضجيج السياسي نفسه الذي يرافق كأس العالم أو الدبلوماسية، يظل الماء أحد أكثر التحديات ارتباطا بالحياة اليومية للمغاربة. فسنوات الجفاف وتوالي موجات الحرارة وتراجع الموارد المائية جعلت ندرة الماء تتحول من مسألة بيئية إلى قضية اقتصادية واجتماعية ومجالية، تمس الفلاحة، والماء الصالح للشرب، والواحات، والقرى، كما تمس قدرة الدولة على ضمان توزيع عادل ومستدام للموارد. وتجد حكومة المنصوري نفسها أمام مفارقة واضحة: فمن جهة، تتطلب المشاريع الكبرى والاستثمارات الاقتصادية موارد مائية وبنيات تحتية ملائمة؛ ومن جهة أخرى، تتزايد مطالب السكان بحماية حقهم في الماء وضمان استمرارية التزويد به، خصوصا في المجالات القروية والهشة. لذلك لن يكون تحدي الماء مجرد توفير كميات إضافية، وإنما يتعلق أيضا بمن يحصل على الماء، ولأي استعمال، وبأي كلفة، ومن يشارك في اتخاذ القرار بشأنه. ومن هنا يمكن أن يتحول تدبير الماء إلى أحد الاختبارات الاجتماعية الأهم للحكومة الجديدة، لأن نجاح السياسة المائية لن يقاس فقط بحجم السدود ومحطات التحلية ومشاريع الربط، وإنما بقدرتها على تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية، وحماية الأنشطة الفلاحية والواحات، وتحقيق توازن بين حاجات السكان ومتطلبات الاقتصاد والاستثمار في زمن أصبح فيه الماء نفسه أحد محددات العدالة الاجتماعية.
بقلم: الأستاذ الباحث توفيق الراوي



