هل نحن من المثقفين؟

هل نحن من المثقفين؟
لورزازات أونلاين
بقلم ذ. عبد المجيد العلاوي
تتردد كلمة مثقف على ألسنة الناس في كل المجتمعات، يصفون شخصا بأنه مثقف ويصفون شخصا آخر بأنه بعيد عن الثقافة، فمن هو المثقف؟ وما هي فئات المثقفين؟ وهل الأستاذ أو الإعلامي محسوبين على المثقفين؟
إن تحديد مفهوم الثقافة أو المثقف أمر في غاية الصعوبة، ولذلك لا بد من الانطلاق من تحديد معنى الثقافة، حيث تعددت الآراء تبعا للمشارب العلمية، أهي جهاز أم نظام، أم أسئلة وأجوبة، أم جهد مبذول، أم نمو متراكم أم منجزات فكرية؟
يعرف مالك بن نبي الثقافة في كتابه (مشكلة الثقافة) بكونها “مجموع الصفات الخلقية والقيم الاجتماعية والتي تؤثر في الفرد منذ ولادته وتصبح لا شعوريا العلاقة التي تربط سلوكه بأسلوب الحياة في الوسط الذي ولد فيه”.
ويشير البعض إلى أن الثقافة هي الاطلاع على الإنتاجات البشرية بلغاتها الأم، وقراءة المؤلفات في جميع مجالات المعرفة؛ الدين والتاريخ والسياسة والاقتصاد والاجتماع، ويكون للمثقف تحليل موضوعي ورأي خاص في القضايا التي تعيشها المجتمعات على المستوى الوطني والإقليمي والدولي.
من هنا فليس مثقفا من لم يطلع على أمور الشرع ولم يقدر بناءها لمختلف قواعد الحياة الخاصة والعامة، ولا من لا يستحضر أحداث التاريخ وتطورها وأسباب القوة والضعف وعوامل النصر والهزيمة بشكل هادئ يتميز بالحياد والمصداقية، ويقرا الأحداث والثورات الهادفة إلى السعي لحياة أفضل، وليس مثقفا من يغفل عن نضالات الإنسانية من أجل مستقبل أفضل تسوده قيم الحرية والعدل والمساواة، ولا من لا يعلم بما أبدعه الأنسان في مختلف العلوم والآداب والفنون.
وليس مثقفا من يقرأ مئات بل آلاف الكتب، ولا ينتج ولو مقالة واحدة، ولا من يقرأ لمدرسة فكرية ويشكل منها قناعاته ويتبنى أفكارها لكن بمجرد الاطلاع على ما يناقضها تجده يسارع إلى تغيير اتجاهاته، فمن الوجودية (سارتر، سيمون دي بوفوار، ساجان…) إلى الماركسية (ماركس، لينين، انجلز…) إلى القومية (سفر الحوالي، جورج حنا، ساطع الحصري…). فهل يجب على الإنسان أن يتبنى كل ما وصل إلى يديه مما يناقض مبادئه وتوجهاته ومنظومة قيمه؟
ولعل المتأمل يرى أن هناك معيارين أساسين لتمييز المثقف، أما المعيار الأول فيتمثل في قدر ما حصله الشخص من العلوم والمعارف من خلال كثرة اطلاعه ومتابعته لمستجدات مجال أو أكثر. وأما المعيار الثاني فيتجلى في الأخلاق، وهي ثمار ما يتعلمه الفرد من العلوم أو من الأحداث والتجارب في الحياة، إذ ليس صحيا أن يكون المثقف سيء الخلق حتى وإن بلغ من العلم درجات عالية.
وينتمي إلى المثقفين كل من يضع ويوزع ويطبق الثقافة، ويقصد بذلك عالم الإنسان الرمزي بما يشمله من دين وعلوم وفنون. ويمكن التمييز بين فئتين؛ تضم الفئة الأولى العلماء والفلاسفة والمؤلفين وبعض المحررين والصحافيين والموزعين والفنانين والمنفذين في الفن ومعظم المدرسين والمراسلين… أما الفئة الثانية فتشمل الذين يطبقون الثقافة باعتبارها جزء من وظيفتهم في المجتمع كالمحامين والأطباء والمهندسين…
كما يمكن الفصل بين المثقفين بحسب منطلق وطبيعة التعاطي مع وظيفتهم؛ فنجد المثقف الملتزم، والمثقف الراكب، والمثقف المستسلم، والمثقف الحزبي، والمثقف المهاجر.
فالمثقف الملتزم هو الذي ظل وفيا لوظيفته النقدية ساعيا إلى تغيير الواقع دون الانحياز لتنظيم دون آخر، يحافظ على استقلالية كلامه ومواقفه، ويظل ضمير الجماعة وصمام أمانها.
والمثقف الراكب هو الذي اختار وجهة للخروج من التهميش في مجتمعه وليحتل موقع مسؤولية في صنع القرار أو التأثير فيه فهو مثقف قتنع بحاجة المجتمع إلى السلطة الثقافية.
ويفشل المثقف المستسلم في مواجهة متطلباته من المال، في ظل تراجع الإقبال على الكتب والفنون، فيتعاون مع القوى الفاعلة والمؤثرة ويخضع أفعاله لتوجهاتها، متناسيا أن الفوز الأخير للعقل والفكر والكلمة الصادقة المستقلة والحرة وبذلك يخلف موعده مع الناس والتاريخ.
أما المثقف الحزبي فهو المنتسب إلى حزب سياسي أو تيار إيديولوجي، وهذا حق تكفله الدساتير وتنص عليه، والانتماء المبني على قناعة وعقيدة راسختين لا يفقد المثقف مصداقيته وإن كانت تؤثر في وظيفته النقدية، وعلى المثقف الحزبي التسلح بأفكاره والتأثير في صنع قرار حزبه وفتح قنوات الحوار الهادئ وتقليص مساحة الخلاف والتركيز على مواطن الاتفاق مع الفاعلين الآخرين.
في حين يغادر المثقف المهاجر بلاده بحثا عن فضاءات أكثر اتساعا وحرية للسانه وقلمه وعن ساحة رحبة للمساهمة في الثقافة ولرسم تصور مستقبلي للمجتمع. لكن من المهاجرين من يصدح، بوعي منه أو بدونه، بمشروع مناقض لحضارتنا وثقافتنا وقيمنا المجتمعية، ومنهم من يتأرجح بين الثقافتين العربية والغربية. إلا أننا نرى أن دور المثقف المهاجر هو الانفتاح على باقي الثقافات من أجل التمكين للثقافة الأصيلة لأمته.
ويرى الجابري في كتابه (المثقفون في الحضارة العربية) أن المثقفين “هم أولئك الذين يعرفون ويتكلمون، يتكلمون ليقولوا ما يعرفون، وبالخصوص ليقوموا بالقيادة والتوجيه في عصر صار فيه الحكم فنا في القول قبل أن يكون شيئا آخر”، من هنا يلزمنا الانطلاق من تعريف المثقفين وتحديد فئاتهم للبحث في موضوع لا يقل أهمية ويتعلق بفن صناعة المثقف القادر على أداء أدواره في قيادة وتوجيه المجتمع.



